آقا بن عابد الدربندي

299

خزائن الأحكام

الفطن هذا وأنت خبير بان ما قررنا غاية ما ينتصر ويؤيد به التفرقة بين التكاليف العارضية من قضية النذر وشبهه وقضيته الموالى والعبيد وبين ما يتلوه مما ذكر ومع ذلك فما يعطيه دقيق النظر هو عدم الفرق إذ الأدلة عامة والتقريب في قوله تعالى وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ غير خفى كما إذ يدخل تحته الاصليات فكذا العارضيات من غير فرق بين نوعيها ودعوى الانصراف والتشكيك غير مسموعة وقاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار حكما اى عقابا غير مماسة بما نحن فيه أصلا حتى تقدح فيه وعقد الباب ان ما ذكر كلا من مظان القاعدة ومجاريها فيترتب عليها آثار لها حتى يقوم الدليل الوارد عليها ورود الخاصّ على العام أو أحد العامين من وجه المرجّح بالمرجّحات على الآخر فخذ بمجامع الكلام ولا تغفل تذنيب : في جريان قاعده نفى الحرج في الواجبات الكفائية تذنيب اعلم أن هذه القاعدة كما تجرى في الواجبات العينية فتنفى الوجوب من أصله كذا تجرى في الواجبات الكفائية لاتحاد الطريق وجريان الوجه في الكل وهو ان كل حكم يؤدى إلى العسر والحرج بالنسبة « 1 » أكثر افراده وأغلب موارده فهو مرتفع عنا حتى بالنسبة إلى الموارد التي لا يترتب عليه فيها عسر وحرج فانّ إناطة الحكم بصورة تحقق العسر والحرج مؤدّية اليهما فلا ريب ان كلا النوعين من الواجبات في ذلك على نهج واحد فيترتب على ذلك ما قررنا من بناء الامر على القاعدة حتى يرد عليها ما هو اخصّ منها أو ما هو أعم من وجه منها لكنه مرجح بما هو من المرجحات المعتبرة ثم لا يخفى عليك انه إذا تحقق العسر والحرج في شان بعض المكلفين على المعيار المتقدّم في بعض المباحث السّالفة فيما تحقق فيه الواجب في شان بعض المكلفين على المعيار المتقدم في بعض المباحث الكفائي في الجملة سقط التكليف من أصله بالنسبة إلى هذا البعض فح قد يبقى الواجب على حاله من الكفائية وقد يصير عينيا بالعرض ثم إن القاعدة تجرى في الواجبات التخييريّة أيضا إذا كانت الافراد والآحاد سواسية وعلى نهج واحد واما إذا لم تكن كل بل تكون مما تجرد بعضها عن الحرج ففيه اشكال من تحقق العسر والحرج بالنسبة إلى الفرد المشتمل عليهما فيدخل تحت العمومات ومن أن الترخّص في الترك نظرا إلى تحقق البدل الخالي عنهما فلا يتحققان فلا يدخل تحتها وهذا هو الأظهر لا يقال إن بناء الامر عليه ينبعث عنه الحكم ببقاء الوجوب على وجه التخيير إذا اشتمل الواجب التعينى على مشقة شديدة لا يتحمل مثلها عادة وسقط وجوبه العيني بذلك وكان ذلك مما له بدل اضطراري خال عن المشقة وذلك كالغسل في البر والشديد إذا امن من الضرر وأيضا بقاء رجحانه على وجه الاستحباب مع عدم البدل عند عدم قيام دليل عليه وهذا كما ترى مما لا مخر له إذ المستفاد من القاعدة انقلاب التكليف فيما له بدل أو سقوطه من أصله إذا لم يكن كل فيترتب على ذلك بالنهج الآثار الوضعية من بطلان ما اتى به من الأصل والمبدل كما مر إلى ذلك الإشارة في بحث قاعدة الضرر فالقاعدتان من هذا الوجه على مسلك واحد على أن زوال الفصل يوجب زوال الجنس فيحتاج اثباته في ضمن فصل آخر إلى دليل لأنا نقول إن ما ذكرنا لا يستلزم ما ذكر بل لا مساسة له أصلا وعلى فرض الاستلزام يمكن التزام ما ذكر نظرا إلى أنه هو وجه الجمع بين الحكمة القاضية « 2 » بنفي الحرج هذا ولكن لا يخفى عليك ما فيه من عدم الاستقامة فت وكيف كان فقد انصدع عن بعض ما أشرنا اليه ان القاعدة لا تجرى أيضا في الندب والكراهة وبيان ذلك تفصيلا هو ان الحرج والعسر انما فيما فيه الالزام لا فيما فيه الترغيب فعلا أو تركا لنيل الثواب إذا رخص في المخالفة فالمراد من لا يريد في قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والمتبادر منه هو نفى الطلب الالزامى وليس المراد منه انه تعالى يبغض العسر فلا يكون حسنا ولا مباحا أو انه تعالى لا يحبّه فلا يكون مطلوبا الزاما وندبا وان أمكن اباحته أو انه تعالى لا يطلبه وان كان كونه محبوبا على أن تحقق الاجمال من تلك الوجوه كاف في المط لسلامة ما يدل على استحباب المعسور عن المعارض مضافا إلى ظهور الاتفاق على عدم جريان القاعدة في الندب والكراهة وبالجملة فان تحقق ذلك في الشريعة والترغيب عليه في الاخبار والآثار والخطب والمواعظ وكون ارتكاب ذلك في ذلك من شعار المقرّبين ودثار الزاهدين مما لا ريب فيه وقد يفصّل في المقام ويقال إن التكليف بالندب لا يجوز إذا أدى إلى اختلال النظم واما إذا لم يكن كل فاما ان يكون مما فيه ايلام كقطع بعض الأعضاء أو ما فيه مشقة شديدة يتحرز عنها أغلب الناس فح ان كان المدرك هو العقل جاز هو العقل جاز في غير الايلامى وفيه في شان أعاظم الدين وان كان هو الدليل اللفظي فهو لا ينصرف إلى الندب هذا وأنت خبير بما في هذا التفصيل من عدم الاستقامة نظرا إلى ما فيه من الترديد في المدرك وقد مر الإشارة إلى وجه عدم الاستقامة وبالجملة فالمط واضح إذا لوحظ ما فيه الحرج ولو كان في الدرجة القصوى من المندوبات والمكروهات على وجه الاستقلال والانفراد فلا تجرى القاعدة ويظهر عند ذلك الآثار المترتبة على عدم الجريان فتثبت المندوبات والمكروهات بكلّ دليل فلا يلاحظ النسبة بينه وبين ما ينفى الحرج أصلا بل هي ثابتة فيما نحن فيه أيضا على ما كانت عليه من ابتنائها على الأصل فيها وهو أصل التسامح ثم إنه قد بقي من الكلام ما يتعلق غير بعيد في المقام وهو انه كيف يتعلق الامر بالمندوبات مع كثرتها الموجبة للاختلال بل مع تضادها وعدم امكان جمعها بل إن هذا نوع من التكليف بما لا يطاق والتكليف بالمحال فوقوع الامر بها وهي على ذكر يؤيد بعض المذاهب من جمّ من العامة تأييدا غير خفى هذا ويمكن ان يقال إن ما ذكر قرينة لحمل الأوامر على الارشاد

--> ( 1 ) إلى ( 2 ) بوجوب الفعل والحكمة القاضية